ذكرى أكتوبر… رسالة ردع
← العودة إلى الرئيسية

ذكرى أكتوبر… رسالة ردع

أحمد سلامةكاتب المقالأحمد سلامة

أحمد سلامة يكتب · ٦ أكتوبر ٢٠٢٦

تصوير فني رمزي لذكرى عبور أكتوبر بالذكاء الاصطناعي

بصفتي أحد أبناء الجالية المصرية بالخارج، وشابًا مصريًا يسعى إلى بناء كيانات ومشروعات، أرى أن ذكرى السادس من أكتوبر تحمل رسالة تتجاوز حدود المناسبة: الأرض لها أصحاب، والكرامة وراءها إرادة، والسلام تحميه قدرة واعية على الدفاع عن الوطن.

ولكل من لا يعرف تاريخ هذه المنطقة، داخلها أو خارجها، أقول: لم تستسلم مصر لاحتلال سيناء عام 1967. أعادت بناء قدراتها، وخاضت حرب الاستنزاف، ثم جاء السادس من أكتوبر 1973، حين عبر الجيش المصري قناة السويس واقتحم تحصينات خط بارليف، بالتزامن مع الهجوم السوري على جبهة الجولان. كان العبور ثمرة إعداد وتدريب وتخطيط، وتضحيات رجال حملوا مسؤولية استعادة الأرض.

تحت قيادة الرئيس أنور السادات، وبجهد القادة والضباط والجنود، أثبتت مصر أن آثار الهزيمة لا تكتب مستقبل الشعوب إلى الأبد. وأرى في ذلك ردًا عمليًا على كل نظرة تختزل شعوب منطقتنا في العجز أو الاستسلام؛ فالقدرة تُبنى، والثقة تُستعاد بالعمل، والواقع يمكن تغييره حين تقترن الإرادة بالتخطيط.

ولم يكن هذا الجهد منفصلًا عن محيطه العربي. شاركت دول عربية في المساندة العسكرية والمالية والسياسية بدرجات وأشكال مختلفة، وكان للتحرك النفطي العربي أثر دولي بارز. ومن الوفاء أن نتذكر الأشقاء الذين ساندوا المعركة، وأن ندرك قيمة التضامن حين يتحول من شعور إلى موقف وعمل.

كما أن ميزان الدعم الدولي لم يكن تفصيلًا هامشيًا؛ فقد دعمت الولايات المتحدة إسرائيل بجسر جوي عسكري خلال الحرب، بينما تلقى الجانب العربي دعمًا سوفيتيًا. ولذلك واجهت مصر إسرائيل في ظل توازن دولي معقد ودعم أمريكي كبير لها. والدقة هنا مهمة: لم تكن حرب أكتوبر حربًا مباشرة بين مصر والولايات المتحدة أو فرنسا، والمشاركة الفرنسية في العدوان العسكري على مصر تعود إلى العدوان الثلاثي عام 1956، مع بريطانيا وإسرائيل.

ومن حق الأجيال أن تعرف أيضًا أن استرداد سيناء لم يكتمل كله في أيام الحرب. استعاد القتال جزءًا من الأرض وفتح الطريق إلى مسار سياسي وتفاوضي؛ ثم جاءت معاهدة السلام عام 1979، واكتمل الانسحاب الإسرائيلي من معظم سيناء في 25 أبريل 1982، وعادت طابا إلى السيادة المصرية في 19 مارس 1989 بعد التحكيم الدولي. إنها رحلة تكاملت فيها تضحيات الجيش مع جهود الدبلوماسية والقانون.

لهذا أرى في أكتوبر رسالة ردع باقية: أن الاعتداء على مصر ليس قرارًا بلا تكلفة، وأن الدفاع عن سيادتها وأرضها مسؤولية لا تسقط بالتقادم. والردع، في فهمي، يقوم على الاستعداد والكفاءة ووحدة الإرادة، وعلى قدرة الدولة على حماية حقوقها واختيار أدواتها بحكمة.

وحين ننقل هذه الذكرى إلى أبنائنا، فإننا ننقل مسؤولية المحافظة على ما تحقق. الجيش القادر يحتاج إلى علم وتدريب، والوطن القوي يحتاج إلى اقتصاد منتج ومؤسسات كفؤة ومواطن يعرف قيمة عمله. وكل مشروع نافع، وخبرة تُنقل، وفرصة عمل تُصنع، تضيف إلى قدرة مصر على حماية مستقبلها.

وفي هذه المناسبة، أتوجه بتحية وفاء إلى شهداء مصر وأبطال أكتوبر وأسرهم، وبالتقدير إلى القوات المسلحة، وإلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بصفته رئيس مصر اليوم، وإلى كل مصري وعربي مخلص يحمل لهذا الوطن محبة صادقة.

ذكرى أكتوبر رسالة ردع للأجيال المتعاقبة: تذكّر من يفكر في الاعتداء بأن لهذا الوطن إرادة تحميه، وتذكّرنا نحن بأن صون الكرامة يحتاج إلى استعداد وعمل مستمرين. حفظ الله مصر، وأدام على أهلها الأمن والكرامة.

مصادر الوقائع التاريخية: الهيئة العامة للاستعلامات — تحرير سيناء · عودة طابا · مكتب المؤرخ بوزارة الخارجية الأمريكية — حرب 1973 · أزمة السويس 1956.